رب اغفر لي ولوالدي، رب ارحمهما كما ربياني صغيرا
Loading...

تنبيه مهم جدا

نعتذر لزوار مكتبة خالدية عن توقف التحميل لمعظم رصيدنا من الكتب الموجودة على خدمة غوغل درايف، وذلك لأنه تم تعطيل حسابنا في هذه الخدمة.. نسعى جاهدين لإيجاد حل بإعادة تحميل رصيد المكتبة في موقع آخر.. نجدد اعتذارنا لزوار المكتبة، ورجاؤنا أن يتفهّموا بأن مكتبة خالدية هي بالأساس مدونة على منصة بلوجر المجانية وليست موقعا يملك مساحة تخزين و.. ويمتلك استقلاليته.

الجمال وصلته بالبلاغة / يسري عبد الغني عبد الله

من العواطف التي طبع عليها الإنسان ، وأودعها الله تعالى في روحه الميل إليها ، و جبله على طلبها في كل زمان ومكان : حب الجمال،والتأثر به ، والبحث عنه ، والله جل شأنه جميل يحب الجمال ، وفعل القبيح والقبح تأباه الفطرة السوية .
والجمال في القديم ، وفي الحديث هو شغل الإنسانية الشاغل ، والبحث عنه ـ لأسباب كثيرة ـ دائم ومتواصل .
كما أن الجمال نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى التي لا تعد ولا تحصى ، بل هو نعمته الكبرى على هذا الوجود ، ومن فضل الله على خلقه أن جعل صور الجمال عديدة ، وألوانه كثيرة متعددة ، فإذا أردنا أن نعرف مدى فضل الله الكريم على هذا الوجود فلنتأمل إبداعه للجمال فيه.
فلنتصور ـ ولو لثوان قليلة ـ خلو الحياة التي نحياها من الجمال ! ، إن ذلك ـ ولا شك ـ سيكون في نظر كل من له قلب ، الفزع الأكبر ، والخوف الأعظم ، الذي يفقد فيه المرء الحب والأمل ، وتلك لحظة من لحظات الضعف التي قد تنتاب الإنسان ، فيفقد فيها الإحساس بالجمال ، فينطلق بالتحطيم لكل شيء حتى نفسه ، والتخريب لكل شيء مهما كان غالياً أو نفيساً ، لأن الشعور والإحساس و الإدراك والوعي بالجمال ، يجعلنا نرى كل شيء في الوجود جميلاً ، والعكس صحيح ، لأن الجمال هو الحياة التي لها قيمة ولها معنى .
بهذه المقابلة نستطيع معاً أن نقف على قيمة الجمال في الوجود ، وندرك أن الإحساس بالجمال معناه السعادة ، ومعناه الأمل في القادم بإذن الله ، ومعناه الحياة المشرقة المفعمة بالبهجة والخير والسرور .
والجمال سر من أسرار المولى عز وجل ، يهبه لمن أحب من عباده ، فيضع في قلبه الأمل ، وفي نفسه الخير ، وفي روحه الصدق ، بل يجعله في شوق دائم إلى الحق والعدل والسلام والتسامح والنقاء .


جانب من الجمال:
وفي رحلتي الطويلة المتواضعة مع البحث والدرس ، مع القراءة و الكتابة ، كنت أحاول دائماً أن أتعرف على جانب من هذا الجمال ، فهالني أن وجدت كثيراً من المعاني والأفكار الجمالية ، يلتقي عندها علماء البلاغة المسلمون ، ومفكروهم ، مع مفكري اليونان ، وأيضاً مع مفكري عصرنا الحديث ، وبمعنى أوضح مع كل أهل الفكر والنظر في القديم والحديث .
ناهيك عن أن الإحساس بالجمال والتطلع إليه ، فهذا قدر مشترك بين سائر الشعوب والأمم التي تعيش فوق المعمورة الأرضية ، وإن تفاوتت في كيفية التعبير عنه ، أو التعمق في فهمه .
و نؤكد خلال هذه السطور على أنه لا توجد ثقافة بشرية مهما كانت تدعو إلى القبح ، أو تنادي بمقاومة الجمال ، وعليه فلا يوجد مبدع أو مفكر أو مثقف في دنيانا لا يقر بفضل الجمال ، ولا يدعو إليه .
التقارب بين المفكرين والبلغاء :
وقد زاد من شدة التقارب بين المفكرين والبلغاء حول الفكر الجمالي أو موضوع الجمال ، أن معاني البلاغة كثيراً ما تلتقي مع المفاهيم الجمالية ، وهذا يجعلنا نقول : إن ما تقبله البلاغة محال أن يرفضه الجمال ، وما تنفر منه لا يقبله بأي حال من الأحوال .
ووعلينا إذا أردنا الحديث في موضوع الجمال بين أهل الفكر وعلماء البلاغة ، أن نركز على إبراز المعاني المشتركة بين الجمال والبلاغة ، وأن نعمد كباحثين إلى التذكير الدائم بالنقاط الظاهرة أو الواضحة الجلية في مفهوم الجمال عند أهل الفكر مثل : النظام ، والخير ، والنفع ، والإمتاع ، والتناسب ، والوضوح ... إلخ ...
كل ذلك جاء عندما تكلم علماء البلاغة والنقد العرب عن مفهوم البلاغة ، ومما يوحي أن البلاغة العربية في إطارها الأدبي الواسع ، بما تحويه من إرشادات و ملاحظات تتناول الإبداع الشعري أو النثري ، كانت تقوم مقام الدراسات الجمالية عند المفكرين .
وفي رأينا أن الوقوف حول جزئية قيام البلاغة مقام البحث الجمالي عند نقادنا العرب ، يجب أن تأخذ منا الدرس الكافي ، والبحث المتأني ، على أمل أن نضع الأساس المتين للسير في هذا الطريق الذي قد يكشف عن الكثير من إنجازات رجال النقد العربي التي غابت عن الكثيرين ، أو بمعنى آخر قاموا بتجاهلها عامدين متعمدين ، داعين الله تعالى أن يأتي بعدنا من يواصل خطوات السير في هذه المسألة ، مع تعميقها وإضافة الجديد إليها إن شاء الله تعالى ، واضعين في الاعتبار أن نسلك جميعاً المسلك العلمي في البحث ، بعيداً عن الأسلوب الانطباعي أو التأثيري السريع الذي لا يفيد الأدب أو الفكر بقدر ما يضره ضرراً كبيراً .
وعليه فلا عجب أن نجد العديد من القضايا المشتركة في بحوث البلاغة والجمال ، مثل : موضوع المادة والصورة ، وموضوع الشكل (الصياغة ) و الموضوع (المضمون) .
ثم مسألة أخرى ألا وهي القيمة الفنية للجمال أو البلاغة ، وهل تكمن في الكل أو الجزء ، وفي رأينا : أن الذوق له دوره المهم في استنباط البلاغة ، والجمال هو الجدير بالتأكيد والبحث عنه ، وتقديره وتقويمه .
مع مراعاة أن الذوق الذي نعنيه هو الذوق المدرب الواعي ، وهو لا يتأتى إلا من الدربة والدراية والممارسة والتعامل مع جميع الأجناس الأدبية في القديم والحديث ، كل ذلك مع ثقافة واسعة شاملة في كافة الآداب والفنون .
مفهوم الجمال عند العرب :
ولا يستطيع منصف أن يدعي أن مفهوم الجمال عند العرب كان من العمق والاتساع والشمول بمثل ما كان عليه عند مفكري اليونان ، وإن كان إحساسهم بالجمال لا يقل كثيراً بحال من الأحوال عن أي أمة من أمم المعمورة البشرية .
والحق يقال : إن الحس الجمالي عند العرب كان مرهفاً ، وواضحاً ، وإن بدا في أول الأمر حسياً ، وغالباً ما كانت المرأة أوضح صوره ومحاوره.
ثم تطور الجمال بعد ذلك بفضل الدعوة الإسلامية الغراء ، ومبادئها الداعية إلى الحق والخير والجمال ، انطلاقاً من أن الله سبحانه وتعالى جميل يحب الجمال ، و عليه فإن الإسلام شمل المعنويات ، مفضلاً إياها عن الحسيات أو الماديات الزائلة ، ووصل الأمر عند بعض مفكري المسلمين إلى القول بأن جمال الروح ، أمتع وأبقى من جمال المادة .
سؤال وإجابة :
وهنا نجد أنفسنا تجاه سؤال مهم ، نحاول الإجابة عليه قدر الطاقة ، والسؤال عما إذا كان للعرب إحساس بالجمال ، وفكر فيه ، فلماذا لم تقم لهم فيه نظريات معروفة ، وفكر مشهور ، كما كان لمفكري اليونان ؟ !
والجواب كما يتصوره كاتب هذه السطور يرجع إلى طبيعة العرب وبيئتهم ، والتي وجهتهم إلى الاهتمام باللغة العربية الشاعرة ، والتفنن فيها ، إذ كانت أخف محملاً في المنشط والمكسل ، وأسهل تناولاً للفرد والجماعة ، ولذلك برعوا فيها كل البراعة ، وأتوا منها بالعجائب ، فكانت مرسمهم ، ومنحتهم ، ومسرحهم ، ومغناهم ، ومسلاهم ، وموسيقاهم .
بل كانت في الواقع جماع آدابهم ، ومجتمع حكمهم ونصائحهم ، ولا مبالغة من جانبنا إذا قلنا : إن اللغة العربية كانت عند العرب بحق فن الفنون ، وأم المواهب .
صلة الجمال بالبلاغة :
قد يبدو غريباً وللوهلة الأولى أن يكون الجمال قاسماً مشتركاً بين المفكرين والبلغاء في البحث العلمي ، ولكن الذي يتبع آراء أهل الفكر ، ونظرات البلغاء ، يستطيع أن يدرك من خلالها أن التعبير عن الجمال والبحث عن مظاهره وصوره الحسية و المعنوية ، كان أعظم الغايات التي يهدف إليها كل من المفكرين ورجال البلاغة .
إن غاية كل من الفريقين هو تحقيق السعادة للبشر جميعاً في دنياهم وأخراهم ، وبيان أن معرفة الجمال الحق بما فيه من صدق وإخلاص إنما يهدي إلى مصدر الجمال الأول ، والجميل أو المبدع الأول ، وهو الله عز وجل ، ومن هنا فإن ذلك جدير ، إذا تم وانتشر ، بإسعاد البشرية جمعاء في كل مكان .
وهنا نهمس في أذن كل باحث في هذا الموضوع ، أنه حتى لا تستبق الأحداث ، فإنه يتعين عليك أن تلتقط الخيط من بدايته ، وتدرس الموضوع من أوله ، وهذا يتطلب منا أن نتعرف على المعاني اللغوية للجمال ، وعلاقتها بمعاني البلاغة ، فربما ساعدنا ذلك على معرفة العلاقة المتينة المرتكز عليها في إقامة صلة قوية بين الجمال والبلاغة .
كلمة خاتمة :
وبعد ، فإن هذه السطور المتواضعة أو هذه العجالة السريعة ، لا تدعي أنها قدمت المطلوب ، أو وفت على الغرض ، فهذا منها أمل نرجو أن يتحقق في ظروف بحثية أوسع .
وبحسبنا الآن أن نشير إلى مجال خصب ، ومنطلق فسيح يعود على الدراسات الأدبية والنقدية والبلاغية منها بوجه خاص بالعمق المطلوب الذي فحواه دقة التحليل وسلامة التعليل .

0 التعليقات:

إرسال تعليق

تحميل...
:: رب اغفر لي ولوالديَّ رب ارحمهما كما ربّياني صغيرا.. زائرنا الكريم، نتمنى أنك وجدت ما يُفيدك، وحتى تستمرّ المكتبة، نسعد بآرائك ومقترحاتك.. جميع الحقوق محفوظة لمكتبة خالدية 2009 ::